فساد لبنان أمن القضاء

كل اللبنانيين إلى السجن .. ملاحقة الصرافين غير الشرعيين

كالانفجار الكونيّ العظيم، انطلق سوق تصريف الدولار بقيمة تفوق السعر الرسمي المحدَّد مِن قِبَل مصرف لبنان، على أساس 1515 ليرة للدولار. وذلك بعد شحّ الدولار في السوق، وامتناع المصارف عن اعطاء الدولار لأصحاب الودائع الدولارية، ومنهم التجّار الذين اضطرّوا للبحث عن الدولار بشتّى الوسائل، فاستغَلَّ حاملو الدولار تلك الحاجة، فرفعوا الأسعار وفق قاعدة العرض والطلب، التي بارَكَها الحاكم بأمر المصرف المركزي، رياض سلامة، ممتنعاً عن التدخّل لوقف ارتفاع أسعار الدولار، متنصّلاً من مسؤوليّته. وسُمِّيَت آلية الحصول على الدولار بالسعر المرتفع، بالسوق السوداء، تعبيراً عن عدم التزامها بالقانون وبالسعر الرسمي. وانطلقت حملات المداهمة والملاحقة لتجّار السوق السوداء. إلاّ أن الملاحقات اتّسمت بالطابع الفلكلوري، وصولاً إلى استحقاقها بجدارة وصف “المهزلة”.

عجِزَ المصرف المركزي عن ضبط الأمور، يستدعي توصيف المشكلة بصورة علمية، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المسؤولين. وعندما أراد حفظ ماء وجهه بعد سيل الاتهامات للمصرف بالتقصير، كانت مبادرة إلزام الصرّافين القانونيين بسعر صرفٍ يستند -كما قيل- إلى منصّة إلكترونية، يتحدد فيها السعر بمزاجية حاكم المركزي وأركان الفئة “ألف” من الصرّافين. وذلك، بعد فشل المركزي بِحَثّ الصرّافين على عدم رفع أسعار الدولار. فكان إدخالهم إلى اللعبة كشريك، هو الحلّ الأمثَل.

ولإضفاء الشرعية على المنظومة الجديدة، أوكِلَت القوى الأمنية بملاحقة الصرّافين غير الملتزمين بأسعار المنصّة، إلى جانب ملاحقة الصرّافين غير الشرعيين.
هكذا، زُجَّت القوى الأمنية في مستنقع السياسة مرّة جديدة. الصرّافون الشرعيون يتعاملون بالدولار وفق سعر السوق السوداء، الذين تلاحقهم القوى الأمنية التي بدورها لم تعد تلاحق الصرّافين بعد تلقّيهم الغطاء من المصرف المركزي، واكتفت بملاحقة الصرّافين غير الشرعيين. وهؤلاء شبّان ينتشرون على الطرقات، ويصرّفون الدولار بأسعار مرتفعة. وللمفارقة، هؤلاء يبيعون الدولارات التي جمعوها، إلى الصرّافين، وبأسعار أعلى ببضع نقاط. أي أنّ الصرّافين الشرعيين، مرّة أخرى، يساهمون بتغذية السوق السوداء وتنشيطها، وبغطاء من المركزي والقوى الأمنية.
اللعب بهدوءبعد نحو سنة على تدهور الوضع النقدي، وتطويب السعر المرتفع للدولار سعراً فعلياً يحتاج فقط إلى بروتوكولات بيروقراطية للاعتراف به سعراً رسمياً في الجمهورية اللبنانية. وبعد إبرام اتفاق سلام وتطبيع للعلاقات بين المصرف المركزي ونقابة الصرّافين، هدأت موجة الملاحقات والانتقادات، ونَشَرَ كبار الصرّافين جيشهم من الشبّان في الطرقات والأسواق، لجذب الدولار وتجنيب حامليه مشقّة التوجّه إلى محال الصيرفة والازدحام داخلها. فأصبح تصريف الدولار “ديليفري” يصل إلى السيّارة، وربما لاحقاً إلى المنازل.

أين القوى الأمنية من هذا الانتشار؟ ألا ترصد دورياتها الاستطلاعية انتشار الشبّان؟ ألم يوقفهم أحدٌ ويفرك سبّابته بإبهامه، مشيراً باختصار إلى تصريف الدولار؟ هل غفلت القوى الأمنية عن توجّه الشبّان إلى محال الصيرفة وإجراء التبديل بين الدولار والليرة؟
أسئلة كثيرة لا حاجة لتعدادها كلّها، فالإجابة عنها واحدة لا شريك لها، وهي أن القوى الأمنية “تعلم”، وتحرص على إبقاء اللعب هادئاً. وما حملات الملاحقة الفلكلورية سوى لتذكير تجّار الدولار بضرورة اللعب بهدوء، منعاً لإحراج القوى الأمنية والسلطة السياسية. فقمّة الوقاحة أن تحاضِر المنظومة بعفّة حماية الليرة، فيما تطلق العنان للصرّافين وجيوشهم للانقضاض على سيّارات المواطنين لسؤالهم عن تصريف الدولار، فيما المفترض بمحال الصيرفة الثابتة أن تقوم بهذا الدور، داخل حدود محالها، وبتنظيم من القانون وتحت إشراف المصرف المركزي.
لماذا الملاحقة؟تراكم الأزمات والخيبات والجرائم بحقّ المواطنين والبلاد، وآخرها جريمة تفجير مرفأ بيروت، أزال العَجَب عن وجود سوق غير شرعية للصيرفة، يعمل بها عدد غير قليل من اللبنانيين، بشكل مباشر أو غير مباشر. وإذا كان الجميع يعتمد السعر غير الشرعي للدولار، فالجميع إذاً يعمل في السوق السوداء. فهل ستعتقل القوى الأمنية كل الصرّافين؟

في المقابل، كل أسعار السلع، على مختلف أنواعها، تُسَعَّر وفق سعر صرف الدولار في السوق السوداء. ومن يريد الاستيراد من الخارج، يشتري الدولار بسعر السوق السوداء، ما خلا بعض الدولارات التي تأتي عبر الصرّافين، بسعر المنصّة الالكترونية، أي 3900 ليرة للدولار، لكنّها تبقى عمليات محدودة وخاضعة للبازار والاستنسابية.
لذلك، السوق السوداء أصبحت هي السوق الفعلية والحقيقية، أولَم يقل الحاكم بأمر المصرف المركزي يوماً، أن الدولار سلعة كأي سلعة أخرى خاضعة لقانون العرض والطلب؟ هو ذا العرض والطلب في السوق. والسوق واضح وجليّ وليسَ خفيّاً ولا أسودَ، فلماذا الملاحقة؟
الملاحقة هذه تثير الضحك، ولا تتلاءَم مع المنطق الاقتصادي، الذي يؤكّد ارتفاع سعر الدولار بما يفوق السعر المحدّد من مصرف لبنان. ويؤكّد أن الارتفاع مستمر وسط عدم تأمين الدولار في السوق بما يوازي حجم الطلب. وبناءً عليه، هل الملاحقة نتيجة عدم الإلتزام بسعر المنصّة أم بسبب عدم امتلاك رخصة للصيرفة؟ الخيار الأول يعني أن على القوى الأمنية ملاحقة الصرّافين الشرعيين، فيما الخيار الثاني يعني أن على القوى الأمنية محاسبة نفسها على تقصيرها في الملاحقة والمحاسبة. وفي حال عدم اعتماد نتائج الخيارين، فعلى القوى الأمنية ملاحقة الشعب اللبناني لاعتماده سعر السوق السوداء.

المصدر: المدن

الكاتب: خضر حسان