Lebanon لبنان أمن إقتصاد الكنيسة سياسة

بكركي في مواجهة السلاح

لا شك أن رد الأمين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصرالله على دعوة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، لعقد مؤتمر دولي للتداول بالأزمة اللبنانيّة بإشراف الأمم المتحدة، أعطى هذه الدعوة بعداً مختلفاً لما هي عليه، الأمر الذي عكس انقساماً لبنانياً داخلياً حيال النظرة إلى الحل، حيث يشكّل هذا الإنقسام استمراراً واستكمالاً للإنقسام اللبناني على المستوى الإستراتيجي الوطني الموجود أساساً، والذي يظهر في كل مرّة تتم فيه مقاربة أي ملف من الملفات الأساسيّة أو الوطنيّة الشائكة

وفي هذا الإطار، ترى أوساط سياسيّة مواكبة لتطوّر الأزمة اللبنانية منذ سبعينيات القرن الماضي، أنه “كان باستطاعة السيد نصرالله أن لا يتعاطى مع دعوة البطريرك بهذه الحدّة والإصرار والجزم والركون إلى التهديد والوعيد لكل من “تسوّل” له نفسه اللجوء إلى المرجعيّة الدوليّة، لا بل كان بإمكانه التعاطي مع المسألة بطريقة مختلفة، على غرار ما تعاطى مع مسألة الحياد مثلاً وألا يعطيها كل هذه الأبعاد، خصوصاً لناحية أن واقع الأمر يقضي بأن كل ما يتّصل بالشرعيّة الدوليّة أو العربيّة أو ينتج عنها، غير مطبّق في لبنان، فلا “اتفاق الدوحة” طُبّق، ولا “اتفاق الطائف” استُكمل تطبيقه ولا القرارات الدوليّة تُطَبّق، لا بل أكثر من ذلك فهذه القرارات تطبّق لمصلحة الحزب كالقرار 1701 على سبيل المثال لا الحصر، والذي لا يُطبّق بحيثياته الأساسيّة، وكذلك القرار 1559 الذي لم يُطبّق منه الشقّ المتعلّق بسلاح الميليشيات، والمقصود فيه، كان مباشرةً “حزب الله”.ولفتت الأوساط، إلى أن موقف “حزب الله” الملوِّح بالحرب والمُهدِّد بالويل والثبور وعظائم الأمور، أثار تساؤلات حول خلفيّاته، باعتبار أنه كان باستطاعة نصرالله بكل سهولة ترك الدعوة لمؤتمر دولي تتفاعل ضمن الحدود التي تفاعل فيها طرح الحياد، والذي لا يزال، حتى يومنا هذا، مسألة مطروحة، إلا أنها تبقى ضمن إطار الدعوات لا أكثر، باعتبار أنه غير قابل للترجمة العمليّة إلا بتبلور ظروف ولحظة سياسيّة مؤاتية، لذلك أو زخماً خارجياً وداخلياً يدفع من أجل تطبيقه، وهذا نتيجة أن الواقع دائماً ما يختلف عن المبدئ، فاتخاذ المواقف المبدئيّة شيء إلا ان ترجمتها على أرض الواقع فهو شيء آخر لذا رأينا كيف انتهى الأمر باقتراح الحياد، الذي لا نقلّل من شأنه أبداً، أن يكون اقتراحاً موجوداً على بساط البحث ومنتظراً لحظة تطبيقه بالرغم من أنه أخذ حجماً كبيراً في البداية حيث أن الوفود السياسيّة والديبلوماسيّة أمّت بكركي والديمان بشكل غير منقطع النظير دعماً لهذا الطرح.وشددت الأوساط على أن ما قام به السيد نصرالله دفع بشكل تلقائي وعفوي بأغلبيّة اللبنانيين إلى الوقوف إلى جانب بكركي وأعطى طرحها المزيد من الدفع والزخم، الأمر الذي يدل على أن هجوم أمين عام “حزب اله” كان بكل بساطة في غير محلّه، إلا أن السؤال الأبرز والاهم اليوم في هذه القضيّة هو: لماذا استنفر الحزب بهذا الشكل إزاء هذه الدعوة؟.واعتبرت بالتالي، أن استنفار الحزب مردّه إلى ثلاثة عوامل أساسيّة: الأول، هو الخشية من تبدّل المتغيّرات والمعطيات والظروف الإقليميّة إلى غير صالحه، أو أن يستجدّ تطوّر كبير دولي في ظل واقع المنطقة المتقلّب والتحوّلات الواسعة فيها، وما يحكى عن هندسات جديدة لها، لأنه في هذه الحال تصبح القرارات الدوليّة ومقررات المؤتمرات الدوليّة قابلة للتطبيق، ولذلك لا يريد في حال استجدت ظروف مشابهة لظروف خروج الجيش السوري من لبنان، أن يجد نفسه، وبسبب سوء حساب قام به أو سوء تقدير، مضطراً إلى تسليم سلاحه في لبنان، لذا ذهب باتجاه قطع الطريق مباشرةً على هذه الدعوة. فـ”حزب الله” يدرك في صميمه أن مصير سلاحه سيكون على غرار الوجود السوري في لبنان، والذي في نهاية المطاف، وعندما أتى القرار الدولي للخروج، لم يتمكن هذا الجيش من البقاء ولو لدقيقة واحدة خلافاً لكل حساباته التي كانت قائمة على أساس بقائه لعقود وعقود، وبالتالي، لن يذهب الحزب برجليه إلى طاولة حوار برعاية دوليّة ليُمارَس الضغط عليه لتسليم سلاحه.أما العامل الثاني، هو أن “حزب الله” يدرك تمام الإدراك بان الإستقواء الذي يمارسه في لبنان بدعم إيراني، يمكن أن يستمر، طالما أنه يتم من خلال دولة إقليميّة في مواجهة اللبنانيين العُزّل. ولكن لحظة الجلوس إلى طاولة المؤتمر الدولي، سيصبح هذا الإستقواء بوجه المجتمع الدولي ككل الداعم للبنانيين، وعندها سيأخذ هذا المجتمع على عاتقه مواجهة هذا الأمر، وبالتالي، بطبيعة الحال لن يتمكّن الحزب من الإستمرار به، على غرار رضوخ طهران في المرحلة الأولى من “الإتفاق النووي” السابق. فالحزب لا يريد تسريع المراحل، إذ يدرك أنه لحظة جلوس إيران إلى طاولة المفاوضات مجدداً في ظل الضغوط الدوليّة الواسعة، وخصوصاً الأوروبيّة، التي تمارس من أجل وقف أنشطتها العسكريّة في المنطقة، فهي ستضطر إلى الإلتزام بالتوجه الدولي والرضوخ له، ووقف نشاطاتها العسكرية هذه، وفي طليعتها دعم “حزب الله”، وبالتالي، مردّ هجوم الحزب المباشر على الدعوة، هو أنه لا يريد أن يعطي المرجعيّة الدوليّة فرصة مجانية لسحب ورقة سلاحه من يد طهران من خارج أي طاولة حوار معها.والعامل الثالث، هو معرفة “حزب الله” يقين المعرفة أنه من دون تدخل المرجعيّة الدوليّة، بمقدوره الحفاظ على سلاحه والإستمرار في الدور الذي يلعبه في لبنان ومتابعة استقوائه على سائر اللبنانيين، بينما في حال الذهاب إلى الجلوس على طاولة حوار دوليّة، فعندها أولى الخطوات ستكون تنفيذ القرارات الدوليّة، وأولها تجريده من هذا التفوّق الذي يتمتع به اليوم في لبنان جراء امتلاكه السلاح والإستقواء الذي يمارسه على جميع اللبنانيين.وأكّدت الأوساط، أنه لكل هذه العوامل مجتمعة استنفر الحزب مباشرةً للردّ على دعوة البطريرك إلى مؤتمر دولي، وليس أبداً للسبب الذي أعطاه السيد نصرالله في كلمته، فالحزب يدرك تماماً أن البطريرك لا يريد الإستقواء بهذا المجتمع على أي فريق لبناني، وإنما العكس تماماً يريد وضع حد للإستقواء القائم لأنه يدرك أنه من خلال المجتمع الدولي يمكن كفّ يد إيران عن لبنان”.ولفتت، إلى أن الأمور اليوم تقف عند هذا الحد ما بين طرح البطريرك ورد السيد نصرالله إلا أنه بالنسبة للمرحلة المقبلة، فمن الواضح أن بكركي ما بين الحياد والدعوة إلى المؤتمر الدولي، قد تحوّلت إلى منصة ومساحة للتعبير عن جميع اللبنانيين من دون استثناء، ومن الواضح أيضاً أن خارطة الطريق التي وضعتها، جعلت منها اليوم في موقع ربط النزاع مع المجتمع الدولي قطعاً للطريق على أي صفقة أو مقايضة من الممكن أن تحصل على حساب لبنان في إطار الهندسات الجديدة للمنطقة، على غرار ما حصل في تسعينيات القرن الماضي حين مُنِح لبنان هديّة للنظام السوري.وأشارت الأوساط، إلى أن بكركي تقول اليوم بشكل واضح إنه لم يعد هناك من إمكان لحل الأزمة اللبنانيّة على الصعيد المحلي بين اللبنانيين من دون رعاية دوليّة، وهذا ما دفع بالحزب للإستنفار لأنه يعتبر أن أي حل للأزمة اللبنانيّة عن طريق طاولة حوار تأسيسيّة محليّة ما بين اللبنانيين، وفي ظل الواقع الراهن، يعني أنه يستطيع استعمال وهج سلاحه بشكل أو بآخر للإستقواء على باقي الأفرقاء الجالسين إلى الطاولة، إلا أنه عندما تكون هناك رعاية دوليّة فهذا سيمنع الحزب من القيام بذلك، وسيجرّده بالتالي من التفوّق الذي لديه اليوم ليبقيه على حجمه الطبيعي جالساً إلى الطاولة شأنه شأن أي فريق آخر، عليه المقارعة بالحجّة، وكسب ما يريد كسبه بالإقناع، وليس بأسلوب الترهيب والترغيب الذي اعتاده، لذا يمكن أن نقول إن كل خشية الحزب التي ظهرت وتوجسّه هو من أن يتمكن من “أُعطي مجد لبنان”، وفي ظل الهندسات الجديدة، من النجاح في الذهاب إلى مؤتمر دولي، الأمر الذي من شأنه أن يضعه ما بين “مِطرقة” الضغط على إيران في المنطقة و”سندان” الضغط عليه في الداخل ليصبح مضطراً للإلتزام بشروط السقف اللبناني.وشدّدت الأوساط، على أن ما من شك في أن بكركي اليوم تستكمل المعركة التي كان قد بدأها البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، لبناء دولة قويّة سيّدة مستقلّة في لبنان، فصفير نجح في إخراج الجيش السوري من لبنان، وبالتالي استعادة الإستقلال، ومن الواضح أن الراعي اليوم ذاهب باتجاه استكمال المعركة عبر تثبيت سيادة لبنان ومفهوم الحريّة فيه.وختمت الأوساط، معتبرةً أن الإصطفاف في لبنان سيكون من الآن فصاعداً تحت عنوانين، وهما: المؤتمر التأسيسي والمؤتمر الدولي، باعتبار أن هناك من يريد مؤتمراً تأسيسياً بموازين قوى لبنانيّة يتفوّق فيها “حزب الله” على الآخرين من أجل فرض شروطه وهيمنته، كما أن هناك من يريد مؤتمراً دولياً يعيد الإعتبار إلى الشرعيّة والقرارت الدوليّة وثوابت الكنيسة المارونيّة التاريخيّة، من أجل تحقيق السيادة والشراكة الفعليّة المبنيّة على المناصفة والمساواة أولاً، وكل الأنظار اليوم شاخصة لتترقّب المدى الذي من الممكن أن يصل إليه هذا السقف وكيف سيتعاطى الحزب في المرحلة المقبلة معه في حال تمكن البطريرك الراعي من تأسيس نوع من لقاء وطني ما، يجمع أفرقاء من مختلف الأطياف، لمواكبة دعوته بهذا إلى مؤتمر دولي

الكاتب بولس عيسى

%d مدونون معجبون بهذه: